خليل الصفدي

391

أعيان العصر وأعوان النصر

في نهاية أمره ، وخطب فأشجى القلوب ، وندّم على ما ندّ من الذنوب . ولم يزل على حاله إلى أن خلا من مقامه المنبر ، وما ذكره صاحبه إلا استعبر ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في الثامن عشر من شهر ربيع الآخر سنة خمسين وسبعمائة في طاعون دمشق ، انقطع يومين لا غير . وحج في سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة ، ثم إنه حج في سنة سبع وأربعين وسبعمائة عقيب موت ولده سليمان ، فإنه حصل له ألم كبير بوفاته ، وما رأى لنفسه دواء غير الحج . وكان شاعرا يجيد المقاطيع لفظا ومعنى ، وله في ذلك بديهة مطاوعة وفكرة متسرّعة ، وكان القاضي شهاب الدين بن فضل اللّه قد جدّد رسوم البدرية التي في أرض مقرى ، وعمّرها في أيام الأمير علاء الدين الطنبغا ، وقرر فيها خطبة يوم الجمعة ، وجعل هذا جمال الدين خطيبا بها ، فهو أول من خطب بها ، وكان أول يوم خطب به يوما مشهودا ، اجتمع له القضاة والعلماء ، ووجوه الناس والأعيان ، وعمل القاضي شهاب الدين ذلك النهار طعاما كثيرا ، وخلع فيه الخلع السنيّة ، وخطب جمال الدين المذكور خطبة جيدة ، فصيحة الألفاظ بليغة المعاني ، واستمر إلى أن مات - رحمه اللّه - ، وهو يخطب من إنشائه . وكتبت له توقيعا بالخطابة ونسخته : رسم بالأمر العالي لا زال يكسو المنابر جمالا ، ويكسب أقمار الوجوه من الخطباء كمالا ، أن يرتّب المجلس السامي جمال الدين في كذا ؛ ثقة ببلاغته التي يرف على مياهها ريحان القلوب ، وفصاحته التي يكاد لفظها لمن يذوق يذوب ، وبراعته التي إذا قال : أيها الناس فقد غزا الأسماع بجيش غير مغلوب ، وعظاته التي إذا فاه بها بكى الناس ليوسف بأجفان يعقوب ، وعبارته التي نسج منها ابن المنيّر « 1 » على خير أسلوب ، ومقاصده التي قطف ابن نباتة زهره من روضها المحبوب ؛ لأنه في هذا العصر بحمد اللّه - تعالى - أفضل من عفّ ومن برّ ، وأفصح خطيب لو كلّف مشتاق فوق ما في وسعه لسعى إليه المنبر . فليباشر ذلك مباشرة يعقد على فخرها الإجماع ، وتشنّف بدرّها الأسماع ، ويثق من إحسان هذه الدولة ببلوغ مناه وإزالة عناه ، وإزاحة ما يحجب غناه ، فطالما خلت وظيفة كان يظنها له ملاذا ، وشغر منصب استسقى منه رذاذا ، ولاح رزق قلب وجهه في سمائه ، وهذه الولاية تقول : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا [ يوسف : 29 ] ، إلى أن لمع به شهاب تألق ، وأغدق وابل جوده الذي فاض وترقرق ، فرقاه خطيبا ، وهزّ بلطفه المنبر غصنا رطيبا ، وضوّع أرجاءه بأرجه حتى قيل إنه ضمّخ طيبا ، فليجر بعظاتها الراجزة سحب المدامع ،

--> ( 1 ) ابن المنير هو : أحمد بن منصور بن المنير الإسكندراني . ( انظر : فوات الوفيات : 1 / 149 ) .